السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كانت ثقيف بطنين: الأحلاف وبني مالك، وكان للأحلاف في هذا أثر عظيم، ولم تزل تعتد بذلك على بني مالك فأقاموا كذلك , ثم إن الأحلاف أثروا وكثرت خيلهم فحموا لها حمىً من أرض بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن يقال له جلذان، فغضب من ذلك بنو نصر وقاتلوهم عليه، ولجت الحرب بينهم. وكان رأس بني نصر عفيف بن عوف ابن عباد النصري ثم اليربوعي، ورأس الأحلاف مسعود بن عنب. فلما لجت الحرب بين بني نصر والأحلاف اغتنم ذلك بنو مالك ورئيسهم جندب ابن عوف بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم من ثقيف لضغائن كانت بينهم وبين الأحلاف، فحالفوا بني يربوع على الأحلاف ,فلما سمعت الأحلاف بذلك اجتمعوا. وكان أول قتال كان بين الأحلاف وبين بني مالك وحلفائهم من ني نصر يوم الطائف، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانتصر الأحلاف وأخرجوهم منه إلى وادٍ من وراء الطائف يقال له الحب، وقتل من بني مالك وبني يربوع مقتلة عظيمة في شعب من شعاب ذلك الجبل يقال له الأبان. ثم اقتتلوا بعد ذلك مسميات، منهن يوم غمر ذي كندة، من نحو نخلة، ومنهن يوم كرونا من نحو حلوان، وصاح عفيف ابن عوف اليربوعي في ذلك اليوم صيحة يزعمون أن سبعين حبلى منهم ألقت ما في بطنها، فاقتتلوا أشد قتال ثم افترقوا. فسارت بنو مالك تبتغي الحلف من دوس وخثعم وغيرهما على الأحلاف، وخرجت الأحلاف إلى المدينة تبتغي الحلف من الأنصار على بني مالك، فقدم مسعود بن معتب على أحيحة بن الجلاح أحد بني عمرو ابن عوف من الأوس، وكان أشرف الأنصار في زمانه، فطلب منه الحلف، فقال له أحيحة: والله ما خرج رجل من قومه إلى قوم قط بحلف أو غيره إلا أقر لأولئك القوم بشر مما أنف منه من قومه، فقال له مسعود: إني أخوك، وكان صديقاً له، فقال: أخوك الذي تركته وراءك فارجع إليه وصالحه ولو بجدع أنفك وأذنك فإن أحداً لن يبر لك في قومك إذ خالفته؛ فانصرف عنه وزوده بسلاح وزاد وأعطاه غلاماً كان يبني الآطام، يعني الحصون، بالمدينة، فبنى لمسعود بن معتب أطماً، فكان أول أطمٍ بني بالطائف، ثم بنيت الآطام بعده بالطائف. ولم يكن بعد ذلك بينهم حرب تذكرو قالوا في حربهم أشعاراً كثيرة، فمن ذلك قول محبر، وهو ربيعة بن سفيان أحد بني عوف بن عقدة من الأحلاف:
وما كنت ممّن أرّث الشّرّ بـينـهـم ... ولكنّ مسعوداً جناهـا وجـنـدبـا
قريعي ثقي أنشبا الشـرّ بـينـهـم ... فلم يك عنها منزعٌ حـين أنـشـبـا
عناقاً ضروساً بين عـوفٍ ومـالـكٍ ... شديداً لظاها تترك الطّفـل أشـيبـا
مضرّمةً شـبّـاً أشـبّـا وقـودهـا ... بأيديهمـا مـا أورياهـا وأثـقـبـا
أصابت براء من طـوائف مـالـكٍ ... وعوفٍ بما جرّا عليهـا وأجـلـبـا
كجمثورةٍ جاؤوا تخطّـوا مـآبـنـا ... إليهم وتدعو في اللقاء مـعـتّـبـا
وتدعو بني عوف بن عقدة في ... الوغى وتدعو علاجاً والحليف المـطـيّبـا
حبيباً وحيّاً مـن ربـاب كـتـائبـاً ... وسعداً إذا الداعي إلى الموت ثوّبـا
وقوماً بمكروثاء شنّـت مـعـتّـبٌ ... بغارتها فكان يوماً عصـبـصـبـا
فأسقط أحبال النـسـاء بـصـوتـه ... عفيفٌ إذا نادى بنصـرٍ فـطـرّبـا